د. طارق الزمر engagement report
@drtarekelzomor - 382K followers on X
Measured over 6 original posts from a 30-day window, last computed on September 1, 2026.
Engagement
Early reading. We have captured 6 original posts for this account, below the 8 we require before treating a median as settled. The numbers above describe what we have seen so far, not a finished profile of the account.
A typical post picks up 14 interactions against 382K followers, an engagement rate of 0.004%. Posts are seen about 1.4K times each, and 0.972% of those impressions turn into an interaction. That is about 0.377% of the follower count, which is the gap between an audience on paper and an audience in a timeline. Posting runs at about 1.3 post a day over the last 30 days, though only 27% of days saw any activity at all. Most posts go out around 15:00 UTC, and Thursday is the busiest day of the week. Of the 6 posts sampled, 83% carry an image or video and 17% link out. The account's strongest tracked post pulled 40 interactions, about 2.9x its own typical post. Recurring topics include #مؤتمر_مركز_حريات, #مؤتمر_مركز_حريات_للدراسات_السياسية_والاستراتيجية, #في_الذاكرة. Only 6 original posts have been captured so far, fewer than the 8 posts we want behind a median before treating it as settled. Read the figures above as an early measurement of this account, not as a finished profile of it.
Measured over 6 original posts from a 30-day window, last computed on September 1, 2026. Recurring tags: #مؤتمر_مركز_حريات, #مؤتمر_مركز_حريات_للدراسات_السياسية_والاستراتيجية, #في_الذاكرة.
Where this sits in the catalog
At 0.004%, د. طارق الزمر sits above the 10th percentile of the 37,582 accounts in this comparison. That places it in the bottom 25% band, which runs below 0.012%.
Show the percentile table
| Percentile | Engagement rate |
|---|---|
| 10th percentile | 0.002% |
| 25th percentile | 0.012% |
| 50th percentile | 0.081% |
| 75th percentile | 0.439% |
| 90th percentile | 2.10% |
| 99th percentile | 158.1% |
This ruler is the whole measured catalog, not a size-matched group: it shows where the raw rate falls across every account we can measure, all of which are large. For a like-for-like comparison, read the size-band percentile above instead. See how the bands are built
Posting timing
This account posts most often around 15:00 UTC, and Thursday is its busiest day of the week. The bars below are the catalog-wide pattern, with this account's own busiest slot marked. They do not show how this account performs at each hour: we keep one aggregate per account, not one per hour, so that measurement does not exist in our data.
Show engagement by hour posted, utc as a table
| Hour (UTC) | Vs author median | Posts |
|---|---|---|
| 00:00 UTC | -1% | 52K |
| 01:00 UTC | -2% | 53K |
| 02:00 UTC | -3% | 51K |
| 03:00 UTC | -4% | 55K |
| 04:00 UTC | -6% | 44K |
| 05:00 UTC | -4% | 43K |
| 06:00 UTC | -4% | 50K |
| 07:00 UTC | -5% | 54K |
| 08:00 UTC | -4% | 62K |
| 09:00 UTC | -3% | 72K |
| 10:00 UTC | -2% | 74K |
| 11:00 UTC | -3% | 81K |
| 12:00 UTC | -2% | 89K |
| 13:00 UTC | -2% | 98K |
| 14:00 UTC | -4% | 101K |
| 15:00 UTC | -2% | 104K |
| 16:00 UTC | -3% | 102K |
| 17:00 UTC | -3% | 94K |
| 18:00 UTC | -1% | 88K |
| 19:00 UTC | -2% | 83K |
| 20:00 UTC | -1% | 77K |
| 21:00 UTC | -1% | 68K |
| 22:00 UTC | -2% | 59K |
| 23:00 UTC | -2% | 53K |
Show engagement by day of week as a table
| Day | Vs author median | Posts |
|---|---|---|
| Sunday | +5% | 237K |
| Monday | 0% | 300K |
| Tuesday | -3% | 299K |
| Wednesday | -1% | 256K |
| Thursday | -1% | 249K |
| Friday | -3% | 258K |
| Saturday | +3% | 232K |
Best tweets
- Mar 31, 20262.9x their median
🟦🟦 "كيف تُضبط القوة بالأخلاق - فقه الحرب والسلم في «السير الكبير» للشيباني" 🟦 إصدار تحليلي في أحد أهم كتب العلاقات الدولية في الفقه الإسلامي 🟦 مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية - إبريل 2026 ⸻ 🟦 الملخص يقدّم السير الكبير إطارًا فقهيًا متكاملًا لتنظيم العلاقات الدولية في الفكر الإسلامي، حيث وضع محمد بن الحسن الشيباني أسسًا واضحة لعلاقة الدولة بغيرها في حالتي الحرب والسلم. وقد جمع الكتاب بين التأصيل الشرعي والواقع السياسي، فأسس لفقه “السير” بوصفه علمًا يعالج قضايا المعاهدات، والأمان، والحرب، والتعايش، ضمن منظومة منضبطة. ويتميّز هذا العمل بحضوره الأخلاقي القوي، حيث قيد استخدام القوة بضوابط صارمة، مثل تحريم الغدر، وحماية غير المقاتلين، والالتزام بالعهود، ما يعكس تصورًا يوازن بين الضرورة العسكرية والقيم الإنسانية. كما قدّم تصورًا منظمًا للدولة والسلطة، يربط القرار السياسي بالمصلحة العامة والضوابط الشرعية. ورغم ارتباطه بسياقه التاريخي، فإن الكتاب يظل مرجعًا مهمًا يمكن البناء عليه في تطوير فقه سياسي معاصر، خاصة في مجالات العلاقات الدولية والقانون الدولي. وتكمن قيمته اليوم في منهجه القائم على الجمع بين المبادئ والواقع، بما يتيح إعادة صياغته في إطار حديث أكثر قدرة على التعامل مع تعقيدات العالم المعاصر. 🔵 المدخل يُعد كتاب السير الكبير من أبرز وأقدم المؤلفات التي تناولت فقه العلاقات الدولية في التراث الإسلامي، حيث قدّم إطارًا متكاملًا لتنظيم علاقة الدولة الإسلامية بغيرها في حالتي الحرب والسلم. ولا يقتصر هذا العمل على كونه اجتهادًا فقهيًا جزئيًا، بل يمثل محاولة مبكرة لبناء تصور شامل للعلاقات بين الأمم، قائم على قواعد شرعية وأخلاقية واضحة. وقد وضع هذا العمل محمد بن الحسن الشيباني، أحد أعلام المدرسة الحنفية، والذي جمع بين الفقه النظري والخبرة العملية، ما مكّنه من صياغة أحكام تتسم بالواقعية والتنظيم. ويُعد الشيباني من أوائل من أسسوا لما يمكن تسميته اليوم “فقه العلاقات الدولية” في الإسلام. وينتمي الكتاب إلى مجال الفقه السياسي، حيث يعالج قضايا الحرب، والسلم، والمعاهدات، والتعامل مع غير المسلمين، ضمن إطار الشريعة الإسلامية، مع مراعاة مقتضيات الواقع. وقد احتل مكانة بارزة في التراث الإسلامي، إذ اعتمدته المدارس الفقهية، وأثّر في تطور علم “السير” لاحقًا. وتتمحور الإشكالية المركزية للكتاب حول سؤال جوهري: كيف ينظّم الإسلام العلاقة مع “الآخر”؟ وهل تقوم هذه العلاقة على الصراع الدائم أم على التوازن بين القوة والعدل؟ وهو سؤال لا تزال أبعاده حاضرة في النقاشات المعاصرة حول العلاقات الدولية. 🔵 السياق التاريخي لكتابة الكتاب جاء تأليف السير الكبير في سياق تاريخي اتسم باتساع الدولة العباسية وتحوّلها إلى قوة إقليمية كبرى، ما فرض عليها الاحتكاك المباشر والمستمر مع إمبراطوريات متعددة، وعلى رأسها الدولة البيزنطية. وقد خلق هذا الواقع شبكة معقدة من العلاقات السياسية والعسكرية، لم تعد تكفي معها المعالجات الفقهية الجزئية، بل أصبحت الحاجة ملحّة إلى بناء إطار شامل ينظم العلاقة مع “الآخر” في مختلف الحالات. في هذا المناخ، برزت ضرورة تقنين أحكام الحرب والسلم، والمعاهدات، والتبادل، والأمان، بما يحقق التوازن بين مقتضيات القوة وضوابط الشرع. فالحروب والفتوحات لم تكن أحداثًا عارضة، بل واقعًا مستمرًا يتطلب تنظيمًا دقيقًا يحول دون الفوضى، ويضبط سلوك الدولة وأفرادها في التعامل مع الشعوب الأخرى. وقد اضطلع الفقه بدور محوري في هذا السياق، حيث لم يكن مجرد علم نظري، بل أداة لتنظيم السياسة وإدارة العلاقات الدولية وفق رؤية أخلاقية وتشريعية متماسكة. ومن هنا، جاء جهد محمد بن الحسن الشيباني ليقدّم صياغة منهجية لهذا الواقع، جامعًا بين النصوص الشرعية والخبرة العملية. وبذلك، يمكن فهم السير الكبير بوصفه استجابة فقهية واعية لمرحلة تاريخية معقدة، سعت إلى تحويل الممارسة السياسية إلى نظام منضبط تحكمه قواعد واضحة. 🔵 طبيعة الكتاب ومنهجه يتسم السير الكبير بطبيعة فقهية تطبيقية واضحة، حيث لا يكتفي بعرض الأحكام النظرية، بل ينزل بها إلى مستوى الممارسة السياسية والعسكرية، فيجعل من الفقه أداة لتنظيم الواقع لا مجرد تأمل فيه. وقد حرص محمد بن الحسن الشيباني على بناء منهجه على أساس راسخ من النصوص الشرعية، معتمدًا على القرآن الكريم والسنة النبوية بوصفهما المرجعية العليا التي تُستمد منها القواعد المنظمة للعلاقات بين الدول. إلى جانب النصوص، يوظّف الشيباني أدوات الاجتهاد الفقهي، وعلى رأسها القياس، ليعالج النوازل المستجدة التي لم يرد فيها نص صريح، وهو ما يعكس مرونة المنهج وقدرته على التكيف مع تعقيدات الواقع السياسي. ولم يكن هذا الاجتهاد منفصلًا عن الواقع، بل جاء مرتبطًا به ارتباطًا وثيقًا، حيث سعى إلى تقديم حلول عملية للقضايا التي تواجه الدولة في علاقاتها الخارجية، من الحرب والمعاهدات إلى الأمان والتعامل مع غير المسلمين. ويبرز الطابع العملي للكتاب في تركيزه على التفاصيل الإجرائية والتنظيمية، بما يجعله أقرب إلى “دليل عمل” للدولة في إدارة علاقاتها الدولية. ومن هنا، تتجلى قيمة الكتاب ليس فقط في تأصيله الفقهي، بل في قدرته على الجمع بين النص والاجتهاد، وبين المبدأ والتطبيق، ضمن رؤية متماسكة تحكمها الواقعية المنضبطة. 🔵 مفهوم “السير” في الفقه الإسلامي يُقصد بعلم “السير” في الفقه الإسلامي ذلك الفرع الذي يعالج أحكام علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الأمم، سواء في حال الحرب أو السلم، وهو ما يجعله أقرب ما يكون إلى ما يُعرف اليوم بفقه العلاقات الدولية. وقد بلور هذا المفهوم بشكل منهجي محمد بن الحسن الشيباني، حيث نقل “السير” من معالجات متناثرة إلى بناء فقهي متكامل. ويختلف علم السير عن الفقه الداخلي في كونه لا ينشغل بتنظيم شؤون المجتمع داخل الدولة فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تنظيم العلاقة مع “الآخر” خارجها، بما يشمل قضايا الحرب، والمعاهدات، والأمان، والتبادل، والحقوق المتبادلة. فهو فقه يعالج التفاعل بين الكيانات السياسية، لا مجرد العلاقات الفردية أو المجتمعية. وفي هذا الإطار، يُعد “السير” فقهًا منظِّمًا للعلاقات الدولية، حيث يضع قواعد تحكم سلوك الدولة في سياق الصراع والتعاون، ويضبط استخدام القوة ضمن معايير شرعية وأخلاقية. كما يتناول تنظيم العلاقة مع غير المسلمين، سواء كانوا في حالة عداء أو عهد أو أمان، مع مراعاة تحقيق العدل ومنع الظلم. وتتجلى شمولية هذا المفهوم في اتساع موضوعاته، إذ لا يقتصر على الحرب، بل يشمل السلم، والدبلوماسية، والتجارة، والالتزامات المتبادلة، ما يجعله إطارًا متكاملًا لإدارة العلاقات بين الأمم في ضوء رؤية شرعية متوازنة. 🔵 تقسيم العالم في فقه الشيباني قدّم محمد بن الحسن الشيباني تصورًا منهجيًا لتقسيم العالم في إطار فقه “السير”، سعيًا لتنظيم العلاقة بين الدولة الإسلامية وغيرها من الكيانات السياسية. وقد قام هذا التصور على ثلاثة أقسام رئيسية: دار الإسلام، ودار الحرب، ودار العهد. فدار الإسلام هي المجال الذي تسري فيه أحكام الشريعة وتتوفر فيه الحماية للمسلمين، وتمثل فضاء الاستقرار السياسي والقانوني للدولة. أما دار الحرب فهي المناطق التي لا تربطها بالدولة الإسلامية علاقات سلمية أو تعاقدية، وتكون العلاقة معها محكومة بحالة الصراع أو التوتر. في حين تمثل دار العهد نموذجًا وسيطًا، حيث تقوم العلاقة على اتفاقات ومعاهدات تنظم التفاعل بين الطرفين، بما يضمن قدرًا من السلم والتعاون. ولا يقوم هذا التقسيم على أسس جغرافية جامدة، بل على معايير فقهية تتعلق بطبيعة العلاقة السياسية والقانونية، مثل وجود الأمان، وسريان الأحكام، وطبيعة الاتفاقات القائمة. وهو ما يعكس مرونة هذا التصور وقدرته على التكيف مع اختلاف السياقات. وقد ترك هذا التقسيم أثرًا عميقًا في الفكر السياسي الإسلامي، حيث أسهم في بناء تصور منظم للعلاقات الدولية، وحدّد الإطار الذي تُفهم من خلاله مواقف السلم والحرب، مع ما يحمله ذلك من تأثير ممتد في التراث الفقهي والسياسي لاحقًا. 🔵 فقه الحرب في الكتاب يقدّم السير الكبير معالجة دقيقة لفقه الحرب، تقوم على ضبط استخدام القوة ضمن إطار شرعي وأخلاقي واضح. فقد قرّر محمد بن الحسن الشيباني مشروعية الحرب بوصفها وسيلة استثنائية تُلجأ إليها عند الضرورة، لا كخيار دائم، بحيث ترتبط بأهداف محددة تتعلق بدفع العدوان، أو حماية الدولة، أو إزالة عوائق تحول دون تبليغ الدعوة. وفي هذا السياق، حدّد أسباب القتال في ضوء معايير تضبطها الشريعة، رافضًا الانزلاق إلى منطق الصراع المفتوح بلا قيود. كما وضع قواعد واضحة للاشتباك، تنظّم سلوك المقاتلين، وتحدّد ما يجوز وما لا يجوز أثناء العمليات العسكرية، بما يمنع الفوضى ويضبط استخدام القوة. ومن أبرز ما يميز هذا الفقه تأكيده على حماية المدنيين، حيث حرّم استهداف غير المقاتلين، كالنساء والأطفال والرهبان، كما وضع ضوابط للتعامل مع الأسرى والممتلكات، في محاولة للحد من آثار الحرب على المجتمعات. وهذا يعكس حضور البعد الإنساني في التشريع، حتى في أشد لحظات الصراع. وتتجلى الأخلاق في الحرب كعنصر مركزي في هذا البناء، إذ لا تُفصل الوسائل عن القيم، بل تُضبط الممارسة العسكرية بمنظومة أخلاقية تُحافظ على الحد الأدنى من العدالة والإنسانية، ما يجعل فقه الحرب في الكتاب نموذجًا يجمع بين القوة والانضباط، وبين الضرورة والالتزام القيمي. 🔵 فقه السلم والعلاقات الدولية لا يقتصر السير الكبير على تنظيم فقه الحرب، بل يقدّم رؤية متكاملة لفقه السلم والعلاقات الدولية، تقوم على إرساء قواعد الاستقرار والتعايش بين الدول. وقد عالج محمد بن الحسن الشيباني هذا الجانب بوصفه الأصل في العلاقات، بحيث تكون الحرب استثناءً تُقيّده الضرورة. وفي هذا الإطار، أولى الكتاب أهمية كبرى للمعاهدات، باعتبارها أدوات لتنظيم العلاقات السياسية وضبطها، حيث تُبنى على الالتزام والوفاء، وتُعدّ ملزمة للطرفين ما دامت قائمة. كما تناول مفهوم “الأمان”، الذي يمنح غير المسلمين حماية مؤقتة داخل دار الإسلام، بما يتيح التواصل والتبادل دون خوف، وهو ما يعكس بعدًا إنسانيًا وقانونيًا متقدمًا. أما الهدنة، فتمثل آلية لإيقاف القتال مؤقتًا، وفتح المجال أمام التسويات أو إعادة ترتيب العلاقات، بما يجنّب الأطراف استنزافًا مستمرًا. وقد نظّم الشيباني شروطها ومدتها بما يحقق المصلحة ويمنع الغدر. ولم يغفل الكتاب جانب العلاقات التجارية، إذ أقرّ بإمكان التبادل الاقتصادي مع غير المسلمين ضمن ضوابط تحفظ الحقوق وتمنع الاستغلال، ما يعكس إدراكًا لأهمية المصالح المتبادلة. وفي مجمل ذلك، يتأسس فقه السلم على فكرة التعايش مع “الآخر”، ليس باعتباره خصمًا دائمًا، بل طرفًا يمكن إقامة علاقات متوازنة معه، تحكمها المصالح والالتزامات، في إطار منضبط يجمع بين الواقعية والعدل. 🔵 حقوق غير المسلمين عالج السير الكبير قضية حقوق غير المسلمين ضمن إطار فقهي متكامل، يوازن بين الحفاظ على هوية الدولة وضمان العدالة في التعامل مع “الآخر”. وقد ميّز محمد بن الحسن الشيباني بين فئات متعددة، لكل منها وضعها القانوني وحقوقها المحددة. فأهل الذمة هم المقيمون الدائمون داخل دار الإسلام بعقد حماية، يتمتعون بموجبه بالأمن على النفس والمال، مقابل التزامهم بالنظام العام، وقد كفل لهم الفقه حقوقًا واضحة في العبادة والمعيشة والتملك. أما المستأمنون، فهم من يدخلون دار الإسلام مؤقتًا بعهد أمان، كالتجار أو الرسل، ويُمنحون حماية كاملة طوال مدة إقامتهم، بما يعكس احترام الالتزامات الإنسانية والدبلوماسية. وفي المقابل، يشمل المعاهدون أولئك الذين تربطهم بالدولة الإسلامية اتفاقات أو معاهدات، تنظم العلاقة بينهم على أساس السلم والتعاون، وتفرض التزامات متبادلة يجب الوفاء بها. وقد قامت هذه التصنيفات على ضمانات شرعية واضحة، تحرّم الظلم، وتوجب الوفاء بالعقود، وتحمي الحقوق الأساسية، وهو ما يؤكد أن العلاقة مع غير المسلمين ليست قائمة على الإقصاء، بل على تنظيم قانوني وأخلاقي متماسك. وفي جوهر هذا البناء، يبرز مبدأ العدل كقاعدة حاكمة، حيث يُلزم الفقه بحسن المعاملة، وصيانة الكرامة الإنسانية، ومنع الاعتداء، بما يجعل هذا التصور إطارًا متقدمًا لضبط التعدد داخل الدولة وفي علاقاتها الخارجية. 🔵 الضوابط الأخلاقية في الحرب يُبرز السير الكبير بوضوح أن الحرب في التصور الإسلامي ليست حالة انفلات، بل مجال منضبط تحكمه قواعد أخلاقية صارمة، تُقيد سلوك المقاتلين وتضبط استخدام القوة. وقد أكد محمد بن الحسن الشيباني على تحريم الغدر بوصفه مبدأً قاطعًا، فلا يجوز نقض العهود أو الخداع الذي ينتهك الاتفاقات القائمة، حتى في سياق الصراع. كما شدد على منع قتل غير المقاتلين، من النساء والأطفال وكبار السن، وكل من لا يشارك في القتال، وهو ما يعكس تمييزًا واضحًا بين الأهداف العسكرية والمدنية، ويؤسس لقاعدة إنسانية متقدمة في إدارة الحرب. ولم يقتصر الأمر على الأرواح، بل امتد إلى حفظ الأموال والممتلكات، حيث وُضعت قيود على الإتلاف والتخريب غير المبرر، بما يمنع تحويل الحرب إلى أداة تدمير شامل. ويحتل الالتزام بالعهد مكانة مركزية في هذا البناء، إذ يُعد الوفاء بالمواثيق واجبًا شرعيًا لا يسقط حتى في ظروف الحرب، ما يعزز الثقة ويمنع الانزلاق إلى الفوضى. وفي هذا السياق، لا تنفصل الأخلاق عن الممارسة، بل تشكل إطارها الحاكم، بحيث تُضبط الوسائل بالغايات، ولا يُبرر تحقيق الهدف تجاوز القيم. وتتجلى مركزية الأخلاق هنا بوصفها قيدًا دائمًا على القوة، يضمن بقاء الحرب ضمن حدود الضرورة، ويحفظ الحد الأدنى من الإنسانية، حتى في أشد لحظات الصراع. 🔵 الدولة والسلطة في الكتاب يقدّم السير الكبير تصورًا واضحًا لدور الدولة والسلطة في إدارة العلاقات الدولية، حيث يحتل الإمام موقعًا مركزيًا بوصفه الجهة المخوّلة باتخاذ القرارات الكبرى المتعلقة بالحرب والسلم. وقد بيّن محمد بن الحسن الشيباني أن هذا الدور لا يقوم على الإرادة الفردية المطلقة، بل على مسؤولية شرعية تُلزم الحاكم بتحقيق المصلحة العامة وضبط قراراته في إطار أحكام الشريعة. وتتجلى سلطة القرار في تنظيم شؤون الحرب، من إعلانها إلى إدارتها، وكذلك في إبرام المعاهدات وعقد الهدن، بما يضمن وحدة القرار السياسي ويمنع التشتت. وهذا يعكس إدراكًا مبكرًا لأهمية المركزية في إدارة الدولة، خاصة في القضايا التي تمس الأمن والعلاقات الخارجية. وفي هذا السياق، تظهر العلاقة الوثيقة بين الفقه والسياسة، حيث لا تنفصل الممارسة السياسية عن التأصيل الشرعي، بل تُبنى عليه وتُضبط به، ما يجعل الفقه إطارًا مرجعيًا لتنظيم السلطة لا مجرد خطاب نظري. كما يبرز في الكتاب ملامح تنظيم مؤسسي، من خلال توزيع الأدوار، وضبط الصلاحيات، وتحديد المسؤوليات، بما يحدّ من العشوائية ويؤسس لعمل منظم داخل الدولة. ومن ثم، فإن تصور الشيباني للسلطة يجمع بين المركزية والانضباط، وبين الشرعية والوظيفة، ضمن رؤية تسعى لتحقيق الاستقرار وحسن إدارة الشأن العام. 🔵 القيمة الفكرية للكتاب يمثل السير الكبير أحد أهم المحطات التأسيسية في الفكر السياسي الإسلامي، حيث وضع اللبنات الأولى لفقه العلاقات الدولية في إطار منهجي متكامل. فقد قدّم محمد بن الحسن الشيباني صياغة مبكرة لتنظيم علاقة الدولة بغيرها، بما يتجاوز الاجتهادات الجزئية إلى بناء علم قائم بذاته. وتتجلى قيمته في قدرته على الجمع بين النص والواقع، إذ لم يكتفِ بالتأصيل الشرعي، بل سعى إلى تنزيل الأحكام على سياقات سياسية معقدة، ما أكسبه طابعًا عمليًا ومرونة في التطبيق. كما يتميز بعمق تنظيمي وتشريعي، حيث وضع قواعد دقيقة تضبط قضايا الحرب والسلم والمعاهدات، في إطار متماسك يجمع بين القوة والانضباط. وقد أصبح الكتاب مرجعية فقهية مهمة في التراث الإسلامي، اعتمدت عليه المدارس الفقهية، واستندت إليه في تطوير علم “السير” لاحقًا. ولم يقتصر تأثيره على عصره، بل امتد ليشكل أحد المصادر الأساسية في فهم التصور الإسلامي للعلاقات الدولية، بما يعكس استمرارية حضوره في الفكر الفقهي والسياسي. 🔵 أثر الكتاب في التراث الإسلامي ترك السير الكبير أثرًا عميقًا في التراث الإسلامي، خاصة داخل المدرسة الحنفية التي يُعدّ أحد أعمدتها، حيث أسهم محمد بن الحسن الشيباني في ترسيخ قواعد علم “السير” بوصفه فرعًا مستقلًا من فروع الفقه. وقد أصبح الكتاب مرجعًا أساسيًا في الفقه الحنفي، اعتمد عليه المتأخرون في بناء اجتهاداتهم وتطوير تصوراتهم للعلاقات الدولية. كما حظي باعتماد واسع في كتب لاحقة، سواء في الشروح أو المختصرات أو المؤلفات التي تناولت قضايا الحرب والسلم، ما ساهم في نقل أفكاره وتوسيع نطاق تأثيره عبر العصور. وكان لهذا الدور أثر مباشر في تطوير علم “السير”، حيث انتقل من معالجات متفرقة إلى علم منظم له أصوله وقواعده. ولم يقتصر حضوره على الجانب الفقهي، بل امتد إلى الفكر السياسي الإسلامي، إذ شكّل إطارًا نظريًا لتنظيم علاقة الدولة بغيرها، وأسهم في بلورة تصور متكامل للعلاقات الدولية. ويؤكد استمرار الاهتمام به في الدراسات الحديثة على عمق تأثيره واستمرارية حضوره كمصدر تأسيسي في هذا المجال. 🔵 القراءة النقدية يتميّز السير الكبير بقوة بنائه الفقهي وشموليته، إذ قدّم تصورًا متكاملًا ينظّم مختلف جوانب العلاقات الدولية، من الحرب إلى السلم، ضمن إطار دقيق ومنهجي. وقد نجح محمد بن الحسن الشيباني في إرساء قواعد واضحة تضبط السلوك السياسي والعسكري، مع حضور لافت للبعد الأخلاقي، الذي قيّد استخدام القوة ومنع الانزلاق إلى الفوضى أو الظلم. كما يُحسب للكتاب طابعه التنظيمي، حيث وضع أحكامًا تفصيلية قابلة للتطبيق في سياق دولته، ما جعله مرجعًا عمليًا لا مجرد تنظير نظري. غير أن هذه القوة نفسها تكشف جانبًا من محدوديته، إذ يرتبط البناء الفقهي للكتاب بسياق تاريخي محدد، هو سياق الدولة العباسية ونمط العلاقات السائد آنذاك، وهو ما يجعل إسقاطه المباشر على واقع الدولة الحديثة أمرًا يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. كما تظهر الحاجة إلى تأويل معاصر يعيد قراءة مفاهيمه في ضوء التحولات الدولية، مثل نشأة الدولة الوطنية، والقانون الدولي الحديث، وتغير طبيعة الحروب. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية للكتاب اليوم لا تكمن في نقله حرفيًا، بل في استلهام روحه ومنهجه، وتطويره بما يجعله قادرًا على التفاعل مع تعقيدات العصر. 🔵 القراءة الاستراتيجية المعاصرة تفتح قراءة السير الكبير في السياق المعاصر آفاقًا مهمة لإعادة بناء فقه العلاقات الدولية على أسس تجمع بين التأصيل الشرعي ومتطلبات الواقع العالمي. فقد وضع محمد بن الحسن الشيباني إطارًا مرنًا يمكن تطويره ليواكب تطور الدولة الحديثة والقانون الدولي، خاصة في مجالات تنظيم الحرب والسلم والعلاقات بين الدول. وتكمن أهمية هذا التراث في إمكانية الاستفادة منه في إثراء النقاش حول القانون الدولي، من خلال تقديم رؤية أخلاقية تضبط استخدام القوة، وتؤكد على الالتزام بالعهود، وحماية غير المقاتلين، وهي مبادئ لا تزال حاضرة في القانون الدولي المعاصر. كما يتيح الكتاب إعادة قراءة مفاهيم الحرب والسلم بعيدًا عن التصورات الجامدة، بما يفتح المجال لتطوير فهم أكثر توازنًا لطبيعة الصراع والتعاون بين الدول. وفي هذا الإطار، يبرز التحدي في تحقيق التوازن بين المبادئ والواقع، بحيث لا يتحول الفقه إلى خطاب مثالي منفصل، ولا إلى واقعية منفلتة من القيم. ومن ثم، فإن تحديث الفقه السياسي يتطلب استلهام منهج الشيباني في الاجتهاد، وتطويره ضمن مؤسسات حديثة قادرة على تحويل هذه المبادئ إلى سياسات عملية قابلة للتطبيق. 🔵 الإشكالات المعاصرة في ضوء الكتاب تكشف قراءة السير الكبير في ضوء الواقع المعاصر عن جملة من الإشكالات المرتبطة بتطور بنية الدولة والنظام الدولي. فقد صاغ محمد بن الحسن الشيباني تصوره في سياق دولة إمبراطورية، بينما يقوم العالم اليوم على نموذج الدولة الوطنية ذات السيادة، وهو ما يفرض إعادة نظر في كثير من المفاهيم التقليدية. كما أن تعقّد العلاقات الدولية الحديثة، وتشابكها عبر مؤسسات ومنظمات متعددة، يجعل من الصعب الاكتفاء بالأطر الثنائية التي سادت في الفقه القديم. ويزداد هذا التحدي مع تطور القانون الدولي، الذي وضع منظومة تفصيلية لتنظيم الحرب والسلم، ما يستدعي حوارًا بين التراث الفقهي وهذه المنظومة الحديثة. وتبرز كذلك إشكالية حقوق الإنسان، حيث تطورت مفاهيمها لتشمل معايير عالمية تتطلب تأصيلًا فقهيًا ينسجم معها دون فقدان الخصوصية. أما في مجال إدارة الصراع، فقد تغيّرت طبيعة الحروب، من تقليدية إلى غير متماثلة ومعقدة، ما يستدعي تطوير أدوات الفهم والتعامل. ومن ثم، فإن التحدي المعاصر لا يكمن في تجاوز هذا التراث، بل في إعادة قراءته وتأويله بما يجعله قادرًا على التفاعل مع عالم شديد التعقيد والتغير. 🔵 نحو تطوير النظرية السياسية الإسلامية تفتح قراءة السير الكبير أفقًا مهمًا لإعادة بناء نظرية سياسية إسلامية قادرة على التفاعل مع تحديات العصر، عبر دمج التراث بالواقع دون الوقوع في أسر أي منهما. فقد قدّم محمد بن الحسن الشيباني نموذجًا مبكرًا يجمع بين التأصيل والاجتهاد، وهو ما يمكن استثماره اليوم في تطوير فقه الدولة ليواكب تحولات النظام الدولي وبنية الدولة الحديثة. ويقتضي هذا المسار الانتقال من المعالجات الفقهية الجزئية إلى بناء نظرية سياسية متكاملة، تستفيد من المقاصد الشرعية بوصفها إطارًا مرنًا يضبط الغايات ويوجه الوسائل. فالمقاصد تتيح إعادة ترتيب الأولويات، وتقديم المصلحة العامة، بما يعزز القدرة على التعامل مع التعقيد السياسي المعاصر. كما يتطلب هذا التطوير تجاوز الجمود الفقهي، عبر تفعيل الاجتهاد المؤسسي، وإدماج الخبرات القانونية والسياسية الحديثة، بما يحقق التوازن بين المبادئ والقابلية للتطبيق. ومن ثم، فإن بناء نظرية سياسية إسلامية حديثة لا يعني القطيعة مع التراث، بل استلهامه وتوسيعه، ليصبح قادرًا على إنتاج نماذج حكم أكثر عدلًا وفاعلية في عالم متغير. 🔵 الخلاصات العامة يمثل السير الكبير أحد الأسس المبكرة لتنظير العلاقات الدولية في الفكر الإسلامي، حيث نجح محمد بن الحسن الشيباني في الجمع بين الفقه والسياسة ضمن إطار متماسك يعالج قضايا الحرب والسلم والعلاقات بين الدول. ويبرز الكتاب برؤيته الأخلاقية المنضبطة، التي قيدت استخدام القوة وأكدت على العدالة والالتزام بالقيم حتى في أوقات الصراع. ورغم عمقه وأهميته، فإن ارتباطه بسياقه التاريخي يجعل الحاجة قائمة إلى تطويره قراءةً وتأويلًا، بما يواكب تحولات الدولة الحديثة والنظام الدولي. ومع ذلك، يظل الكتاب مرجعًا مهمًا يمكن البناء عليه، لا سيما في صياغة تصور متوازن يجمع بين المبادئ الشرعية ومتطلبات الواقع، ويؤسس لفكر سياسي أكثر نضجًا وفاعلية في التعامل مع التحديات المعاصرة. 🔵 خاتمة الإصدار يظل السير الكبير أحد أعمدة الفكر السياسي الإسلامي، بما قدّمه من تأصيل مبكر ومنهجي لتنظيم العلاقات بين الدول، جامعًا بين الفقه والواقع في رؤية متماسكة. وقد استطاع محمد بن الحسن الشيباني أن يؤسس لنموذج يوازن بين القوة والأخلاق، ويمنح السياسة إطارًا قيميًا منضبطًا. ورغم تغير السياقات التاريخية وتطور بنية النظام الدولي، فإن أهمية الكتاب لا تزال قائمة، بوصفه مرجعًا يمكن الانطلاق منه نحو بناء نظرية سياسية حديثة تستلهم أصوله وتطوّر أدواته. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة قراءته قراءة معاصرة، تتجاوز النقل الحرفي إلى الفهم العميق والتأويل المنتج. إن استعادة هذا التراث ليست عودة إلى الماضي، بل خطوة نحو صياغة فقه سياسي أكثر واقعية وتوازنًا، قادر على التفاعل مع تعقيدات الحاضر واستشراف تحديات المستقبل. 🔵 توصيات مركز حريات ينطلق مركز حريات في هذا السياق من ضرورة إعادة إحياء علم “السير” بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لفهم العلاقات الدولية في التراث الإسلامي، مع العمل على تطويره بما يجعله قادرًا على التفاعل مع التحولات المعاصرة. ويؤكد المركز أهمية توسيع الدراسات المقارنة، بما يتيح قراءة هذا التراث في ضوء القانون الدولي الحديث والنظريات السياسية المعاصرة، وصولًا إلى بناء رؤية أكثر تكاملًا. كما يدعو المركز إلى ربط الفقه بالسياسة بصورة منهجية، بحيث لا يبقى الفقه في دائرة التنظير، بل يتحول إلى أداة فاعلة في صناعة القرار وإدارة العلاقات الدولية. ويتطلب ذلك إنتاج نماذج حديثة تستلهم الأصول الفقهية وتترجمها إلى سياسات عملية قابلة للتطبيق داخل الدولة الحديثة. وفي هذا الإطار، يولي المركز أهمية خاصة لتعزيز الوعي الاستراتيجي، من خلال نشر المعرفة المتخصصة، وإدماج هذه الرؤية في برامج التعليم والتدريب، بما يسهم في إعداد كوادر قادرة على الجمع بين الفهم الشرعي والإدراك السياسي. ويمثل هذا المسار خطوة نحو استعادة الفاعلية الفكرية، وتحويل التراث من مجرد مرجعية تاريخية إلى مصدر حي لإنتاج رؤى استراتيجية معاصرة.
- Jun 27, 20262.1x their median
🟦🟦 "التاريخ بوصفه حركة أمة وصراع حضارات قراءة استراتيجية في «البداية والنهاية» لابن كثير" 🟦 مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية – يونيو 2026 ——- 🟦 الملخص يقدم هذا الإصدار قراءة استراتيجية لكتاب «البداية والنهاية» للإمام ابن كثير، بوصفه مشروعًا حضاريًا لفهم حركة الأمم والدول، وليس مجرد موسوعة لتسجيل الأحداث. وينطلق من أن التاريخ في الرؤية الإسلامية تحكمه سنن ثابتة، وأن صعود الحضارات أو سقوطها يرتبط بالعدل والظلم، والوحدة والانقسام، والرسالة والقيادة، أكثر من ارتباطه بعوامل القوة المادية وحدها. وتوضح الدراسة أن ابن كثير نجح في بناء رؤية متماسكة تربط بين العقيدة والسياسة والاجتماع والعمران، وتفسر الأحداث في ضوء القوانين التي تحكم حركة التاريخ. كما تناقش أثر الفتن الداخلية، والغزو المغولي، والحروب الصليبية، ودور العلماء والقادة في صناعة التحولات الكبرى، مع إبراز القيمة الفكرية والمنهجية للكتاب في بناء الوعي الحضاري. وتخلص الدراسة إلى أن «البداية والنهاية» يمثل مرجعًا مهمًا لفهم تحديات الأمة المعاصرة، وأن إعادة قراءته بمنهج تحليلي يمكن أن تسهم في تطوير التفكير الاستراتيجي، وربط الخبرة التاريخية باستشراف المستقبل، وتحويل التاريخ من مادة للمعرفة والاعتزاز بالماضي إلى أداة لفهم الحاضر، وصياغة السياسات، وبناء القيادات، واستعادة الفاعلية الحضارية للأمة في ظل التحولات الدولية المتسارعة. 🔵 التمهيد يُعد كتاب «البداية والنهاية» للإمام الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير الدمشقي، المتوفى سنة 774هـ/1373م، واحدًا من أوسع المؤلفات التاريخية في التراث الإسلامي، وأكثرها تأثيرًا في تشكيل الوعي التاريخي لدى المسلمين. ولا ترجع أهمية الكتاب إلى اتساع مادته فحسب، بل إلى طبيعة الرؤية التي تحكمه؛ فهو لا يتعامل مع التاريخ بوصفه سجلًا للأخبار والوقائع، وإنما بوصفه حركة ممتدة للأمم والدول والحضارات، تحكمها سنن إلهية وقوانين اجتماعية وسياسية متكررة. ولد ابن كثير سنة 701هـ/1301م، وعاش في مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ الأمة، جاءت بعد سقوط بغداد على يد المغول، وفي ظل آثار الحروب الصليبية والتحولات الكبرى في المشرق الإسلامي. وقد انعكست هذه البيئة على وعيه التاريخي؛ إذ أدرك أن الأمة التي تفقد ذاكرتها لا تستطيع فهم حاضرها ولا بناء مستقبلها. ومن هنا جاء «البداية والنهاية» مشروعًا لإعادة وصل المسلمين بتاريخهم الممتد، من بدء الخلق وقصص الأنبياء إلى السيرة النبوية، ثم الخلافة والدول الإسلامية، وصولًا إلى عصر المؤلف. وتقوم الإشكالية المركزية في هذه القراءة على سؤالين: كيف قدّم ابن كثير التاريخ بوصفه حركة أمة وصراع حضارات؟ وكيف يمكن الإفادة من رؤيته في بناء وعي استراتيجي معاصر يساعد الأمة على فهم أزماتها وتحدياتها ومسارات مستقبلها؟ 🔵 ابن كثير وخلفيته العلمية نشأ ابن كثير في العصر المملوكي، وهو عصر جمع بين القلق السياسي والحيوية العلمية. فقد كانت دمشق والقاهرة آنذاك من أهم مراكز العلم في العالم الإسلامي، وبرز فيهما علماء كبار في الحديث والتفسير والفقه والتاريخ. وفي هذه البيئة تشكل ابن كثير عالمًا موسوعيًا، جمع بين علم الرواية وفقه النصوص والقدرة على قراءة الأحداث في سياقاتها الكبرى. وكان لتكوينه الحديثي أثر واضح في منهجه التاريخي، إذ لم يكن مجرد ناقل للأخبار، بل حاول إخضاع كثير من الروايات للنقد والترجيح، مستفيدًا من أدوات المحدثين في التمييز بين المقبول والضعيف. كما تأثر بشيخه ابن تيمية، خاصة في العودة إلى النصوص المؤسسة، وربط الدين بالواقع، والبحث عن السنن الحاكمة لحركة المجتمعات. ولهذا جاء ابن كثير مؤرخًا من نوع خاص؛ فهو لا ينظر إلى الحدث بوصفه واقعة منفصلة، بل يربطه بمنظومة أوسع من الإيمان والعدل والظلم والوحدة والانقسام والإصلاح والفساد. ومن هنا تميزت كتابته التاريخية بأنها تجمع بين التوثيق والعبرة، وبين السرد والتحليل، وبين الحس الديني والوعي السياسي. 🔵 الخلفية التاريخية للكتاب لا يمكن فهم «البداية والنهاية» بعيدًا عن السياق الذي كُتب فيه. فقد جاء الكتاب بعد صدمات كبرى أصابت العالم الإسلامي، وفي مقدمتها سقوط بغداد سنة 656هـ، وما مثله ذلك من انهيار رمزي للخلافة العباسية، فضلًا عن الحروب الصليبية التي استنزفت المشرق الإسلامي عقودًا طويلة. وفي مقابل هذه الهزات برزت الدولة المملوكية بوصفها القوة الإسلامية الكبرى التي استطاعت وقف الزحف المغولي في عين جالوت، ومواصلة مواجهة بقايا الوجود الصليبي. وقد عاش ابن كثير في ظل هذا التوتر بين الانكسار واستعادة الثقة، بين الذاكرة المؤلمة ومحاولات النهوض. من هنا يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره استجابة حضارية لسؤال كبير: لماذا تنهض الأمم ولماذا تسقط؟ وكيف يمكن تفسير ما جرى للعالم الإسلامي من قوة وضعف، ووحدة وانقسام، وانتصار وانكسار؟ لم يكن ابن كثير يكتب تاريخًا للتسلية أو الحفظ، بل كان يعيد بناء الوعي الجمعي للأمة، ويربط أحداثها المتفرقة بسياق واحد يبدأ بالخلق والنبوات، ويمر بالدولة الإسلامية، وينتهي بتحولات عصره. وبهذا يصبح الكتاب ذاكرة حضارية كبرى، تسعى إلى حماية الأمة من القطيعة مع ماضيها، وإلى جعل التاريخ مصدرًا للعبرة والفهم لا مجرد مادة للسرد. 🔵 طبيعة الكتاب ومنهجه يمثل «البداية والنهاية» نموذجًا فريدًا في الكتابة التاريخية الإسلامية؛ فهو كتاب تاريخ، لكنه في الوقت نفسه كتاب في العقيدة والسنن والعمران السياسي والاجتماعي. يبدأ ابن كثير من بداية الخلق، ثم ينتقل إلى قصص الأنبياء، ثم السيرة النبوية، ثم تاريخ الخلافة والدول المتعاقبة، وصولًا إلى أحداث عصره. وهذا الامتداد الزمني الواسع يعكس رؤيته للتاريخ بوصفه مسارًا متصلًا لا وقائع متناثرة. ويقوم منهجه على الجمع بين الرواية والتحليل. فهو يورد الأخبار بتفصيل، لكنه يتدخل أحيانًا لتقييمها أو ترجيح بعضها، خاصة حين تتعارض الروايات أو تتعلق بأحداث كبرى. كما يظهر أثر المنهج الحديثي في حرصه على التثبت، وإن لم يخلُ الكتاب بطبيعة الحال من روايات تحتاج إلى نظر ومراجعة، شأن أغلب المصادر التاريخية الكبرى. أما السمة الأهم في منهجه فهي مركزية السنن الإلهية. فالتاريخ عنده لا يتحرك بالمصادفة، ولا يخضع للفوضى، وإنما تحكمه قوانين ثابتة تتصل بالعدل والظلم، والإيمان والانحراف، والوحدة والتفرق، والإصلاح والفساد. فالدول لا تسقط فجأة، بل تتآكل حين يضعف العدل، وتنتشر الفتن، وتغيب الرسالة الجامعة، وتنشغل النخب بالصراع على السلطة بدل بناء الأمة. وفي المقابل، لا يتحقق النهوض بمجرد القوة العسكرية أو الوفرة المادية، بل يحتاج إلى قيادة راشدة، وعدالة داخلية، ووحدة جامعة، وإيمان برسالة كبرى تمنح المجتمع معنى وغاية. ومن هنا يصبح التاريخ عند ابن كثير تفاعلًا بين السنن الربانية وأفعال البشر؛ فلا هو قدر جامد يلغي المسؤولية، ولا هو فوضى بلا قانون. 🔵 مفهوم التاريخ عند ابن كثير لا يتعامل ابن كثير مع التاريخ باعتباره ماضيًا منقضيًا، بل باعتباره مدرسة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. فالوقائع عنده تحمل دلالات، والدول تتحرك وفق أسباب، والأمم تصعد وتهبط تبعًا لمواقفها من السنن الحاكمة للعمران. ومن أبرز ما يميز رؤيته العلاقة بين الإيمان والقوة. فالإيمان ليس مجرد شعور روحي، بل طاقة حضارية حين يتحول إلى قيم ومؤسسات وعدل ومسؤولية. وقد دل تاريخ الأنبياء والدول في نظره على أن الرسالة الواضحة تصنع الإنسان القادر على البناء والمواجهة، بينما يؤدي فقدان الرسالة إلى الترف والانقسام والضعف. كما يحتل العدل موقعًا مركزيًا في تفسيره لبقاء الدول. فالظلم عند ابن كثير ليس خطأ أخلاقيًا عابرًا، بل عامل تفكيك سياسي واجتماعي. والدولة التي ينتشر فيها الظلم، وتضعف فيها الثقة، وتستبد فيها المصالح الخاصة بالمصلحة العامة، تبدأ في فقدان مقومات بقائها، ولو امتلكت الجيوش والثروات. وتظهر كذلك خطورة الانقسام الداخلي بوصفه مدخلًا للهزيمة. فالغزو الخارجي لا ينجح غالبًا إلا حين يجد الداخل هشًا، ممزقًا، فاقدًا للرؤية المشتركة. ومن هنا تبدو الفتن في «البداية والنهاية» ليست مجرد أحداث مؤلمة في الماضي، بل نماذج متكررة لتحذير الأمة من أن الصراع الداخلي إذا طال واستحكم فتح أبواب الضعف والتدخل والهيمنة. ولهذا يمكن القول إن التاريخ عند ابن كثير ليس مادة للمعرفة وحدها، بل أداة لتربية الوعي السياسي والحضاري. إنه يدعو القارئ إلى تجاوز حفظ الوقائع إلى فهم أسبابها، وتجاوز الانفعال بالماضي إلى استخلاص دروسه، وتجاوز التعلق بالأشخاص إلى إدراك القوانين التي تحكم حركة الأمم والدول. 🔵 الأنبياء وبناء الحضارات يشغل تاريخ الأنبياء مساحة واسعة في «البداية والنهاية»، غير أن ابن كثير لا يقدمه بوصفه سردًا دينيًا مجردًا، بل باعتباره مدخلًا لفهم حركة الإصلاح في التاريخ. فالأنبياء في رؤيته ليسوا فقط مبلغين للوحي، وإنما قادة تغيير واجهوا الانحراف العقدي والظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي، وعملوا على إعادة بناء الإنسان والمجتمع على أساس الإيمان والعدل والرسالة. ومن خلال قصص نوح وإبراهيم وموسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، يبرز التاريخ بوصفه صراعًا بين الحق والباطل، وبين الرسالة والطغيان، وبين الإنسان الحر والأنظمة التي تسعى إلى إخضاعه. وتكشف قصة موسى وفرعون، على سبيل المثال، العلاقة العميقة بين العقيدة والحرية، وبين الاستبداد السياسي والفساد الروحي، إذ لا ينفصل ادعاء فرعون للألوهية عن احتكاره للسلطة وإذلاله للناس. وتدل هذه القصص على أن الحضارات لا تقوم بالقوة المادية وحدها، وإنما تحتاج إلى فكرة كبرى ورسالة جامعة وقيادة قادرة على تحويل الإيمان إلى حركة في الواقع. فحين تمتلك الأمة رسالة واضحة، تتوحد طاقاتها، وتتجه نحو البناء، وتصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات. أما حين تفقد رسالتها، فإنها تدخل تدريجيًا في مسار التفكك والضعف. ولهذا تبدو قصص الأنبياء في «البداية والنهاية» دروسًا متجددة في شروط النهوض، لا مجرد حكايات عن الماضي. إنها تكشف أن التغيير الحقيقي يبدأ من بناء الإنسان، وأن إصلاح الدولة والمجتمع لا ينفصل عن إصلاح القيم والعقائد والتصورات الكبرى التي تحكم حركة الناس. 🔵 الخلافة والدولة الإسلامية تمثل تجربة الدولة الإسلامية، منذ العهد النبوي والخلافة الراشدة إلى الدول المتعاقبة، محورًا رئيسيًا في رؤية ابن كثير للتاريخ. فهو يتعامل مع نشأة الدولة في المدينة بوصفها تحولًا حضاريًا كبيرًا، انتقلت فيه الدعوة من مرحلة الجماعة المؤمنة المحدودة إلى مرحلة المجتمع المنظم والدولة القادرة على حماية الرسالة وبناء العمران وإدارة العلاقات الداخلية والخارجية. وتحتل الخلافة الراشدة مكانة خاصة في هذا التصور، لأنها تمثل أقرب النماذج إلى مقاصد النبوة في الحكم. ففيها تتجلى معاني الشورى، والمسؤولية، والعدل، والزهد في السلطة، ووحدة الأمة حول مشروع جامع. غير أن ابن كثير لا يغفل التحديات التي تعرضت لها هذه التجربة، خاصة الفتن التي تركت آثارًا بعيدة في التاريخ الإسلامي. ومع انتقال الحكم إلى الدول اللاحقة، يرصد ابن كثير التحولات التي طرأت على السلطة، وما صاحبها من تنافس وصراعات وأحيانًا مظالم وانقسامات. لكنه لا يقدم ذلك بوصفه مجرد صراع بين أسر حاكمة، بل بوصفه مؤشرًا على العلاقة بين طبيعة الحكم وقوة الأمة. فالدولة العادلة الجامعة تكون مصدر قوة واستقرار، أما الدولة التي تغرق في الظلم أو الترف أو الصراع الداخلي فتتحول تدريجيًا إلى عامل ضعف. ويبرز في هذا السياق أن السلطة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لإقامة العدل ورعاية مصالح الناس وحماية وحدة الأمة. وكلما ابتعد الحكم عن هذه الوظيفة، تآكلت شرعيته، وازدادت قابلية الدولة للاضطراب والانهيار. ومن هنا يقدم «البداية والنهاية» درسًا مهمًا في أن القوة السياسية لا تستمر بمجرد الغلبة، وإنما تحتاج إلى عدل ورسالة وشرعية ورضا عام. 🔵 الفتن والانقسامات في التاريخ الإسلامي من أكثر الموضوعات حضورًا في «البداية والنهاية» قضية الفتن والانقسامات الداخلية، لأنها تمثل في رؤية ابن كثير أحد المفاتيح الكبرى لفهم تراجع الدول وضعف الأمم. فقد كانت الأمة في فترات كثيرة قادرة على تحقيق إنجازات حضارية وعسكرية واسعة، لكنها تعرضت في فترات أخرى لصراعات داخلية استنزفت طاقاتها وفتحت الباب أمام الأخطار الخارجية. وتكشف معالجة ابن كثير للفتنة الكبرى وما تلاها من أحداث أن الخطر الداخلي قد يكون أحيانًا أشد أثرًا من العدو الخارجي. فحين تتحول الخلافات السياسية إلى صدامات مفتوحة، وتضعف الثقة بين المكونات، وتغيب المرجعية الجامعة، تبدأ الدولة في فقدان قدرتها على إدارة قوتها وتوجيه مواردها نحو البناء والدفاع. كما يبرز الكتاب العلاقة الوثيقة بين الانقسام الداخلي والتدخل الخارجي. فكثير من الغزوات والاختراقات لم تنجح فقط لقوة الخصوم، بل لأن الداخل كان هشًا أو منقسمًا أو منشغلًا بصراعاته الخاصة. ومن هنا فإن الوحدة في رؤية ابن كثير ليست مجرد فضيلة أخلاقية، بل ضرورة استراتيجية لحماية الأمة والدولة. واللافت أن ابن كثير لا يتعامل مع الفتن باعتبارها أحداثًا عابرة، بل باعتبارها علامات على خلل أعمق في بنية الحكم والمجتمع والنخب. فالفتن تكشف ضعف العدالة، وتراجع الحكمة، وغلبة العصبيات، وانحسار الرسالة الجامعة. ولذلك فإن علاجها لا يكون بإخماد الصراع مؤقتًا فقط، بل بإصلاح أسبابه العميقة. ومن هنا تتحول دراسة الفتن إلى درس دائم للأمة: أن الدول لا تسقط فجأة، بل تتآكل من الداخل قبل أن تسقط من الخارج، وأن المجتمعات التي تعجز عن إدارة خلافاتها بعدل وحكمة تفقد قدرتها على مواجهة التحديات الكبرى. 🔵 البعد الحضاري والاستراتيجي يقدم «البداية والنهاية» رؤية حضارية تتجاوز سرد الأحداث إلى تحليل مسارات الصعود والهبوط في حياة الأمم. فالحضارات في هذا الكتاب لا تنهض مصادفة، ولا تسقط فجأة، وإنما تتحرك وفق شروط وعوامل تتراكم عبر الزمن. ويرى ابن كثير أن الصعود الحضاري يرتبط بوجود رسالة جامعة، وقيادة فاعلة، وعدالة داخلية، وقدرة على توظيف الموارد البشرية والمادية في مشروع يخدم المجتمع ويمنحه معنى. أما التراجع فيبدأ عندما تفقد الأمة رسالتها، وتضعف وحدتها، وينتشر الظلم، وتتحول السلطة إلى أداة للصراع والمصالح الخاصة. وتبرز في هذه الرؤية العلاقة بين القوة والأخلاق. فالقوة العسكرية ضرورية لحماية الدول والمجتمعات، لكنها لا تكفي وحدها لضمان البقاء. فقد امتلكت أمم كثيرة أسباب القوة المادية، لكنها سقطت حين تآكلت من داخلها، وغاب العدل، وانهارت الثقة، وضاعت الغاية الجامعة. كما يكشف الكتاب أهمية الوعي بالتهديدات الخارجية دون إغفال الإصلاح الداخلي. فالأمم التي تنشغل بصراعاتها الداخلية وتفقد قدرتها على قراءة التحولات المحيطة بها تصبح أكثر عرضة للغزو والهيمنة. ولهذا فإن اليقظة الاستراتيجية تبدأ من الداخل: من بناء الإنسان، وترسيخ العدل، وحماية الوحدة، وإحياء الرسالة. ومن هنا يتحول التاريخ في «البداية والنهاية» إلى أداة لبناء المناعة الحضارية؛ لأنه يساعد الأمة على فهم أسباب القوة والضعف، ويمكّنها من إدراك أن البقاء لا يتحقق بالانفعال ولا بالشعارات، بل بالوعي والعدل والوحدة والتخطيط وحسن قراءة سنن التاريخ. 🔵 المغول والصليبيون في رؤية ابن كثير تمثل تجربة الغزو المغولي والحروب الصليبية إحدى أهم ساحات الاختبار في رؤية ابن كثير للتاريخ. فقد عاش المؤلف في زمن ما تزال آثار هاتين الصدمتين حاضرة بقوة في الذاكرة الإسلامية، ولذلك لم يتعامل معهما بوصفهما أحداثًا عسكرية فحسب، بل بوصفهما تحديين حضاريين هددَا كيان الأمة وموقعها التاريخي. يظهر الغزو المغولي في الكتاب بوصفه كارثة كبرى كشفت حجم الضعف الذي أصاب العالم الإسلامي قبل سقوط بغداد. فالخطر المغولي لم يكن نتيجة قوة الخصم وحدها، بل تزامن مع تفكك سياسي وانقسام داخلي وضعف في مراكز القيادة. ولهذا يربط ابن كثير بين الهزيمة الخارجية والخلل الداخلي الذي سبقها ومهّد لها. أما الحروب الصليبية فيعرضها باعتبارها صراعًا طويل المدى على الأرض والمقدسات والموقع الحضاري للعالم الإسلامي. ومن خلال تتبع أحداثها يظهر أن الصراع بين الأمم لا يُحسم بالمعارك وحدها، بل بقدرة الأمة على استعادة وحدتها، وبناء قياداتها، وحشد طاقاتها، وتحويل المحنة إلى مشروع نهوض. وفي هذا السياق تحضر نماذج القيادة مثل نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي وغيرهما، بوصفهم قادة استطاعوا تحويل لحظات الضعف إلى فرصة لاستعادة المبادرة. فلم يكن النصر عندهم ثمرة السلاح وحده، بل نتيجة إصلاح سياسي وأخلاقي وتعبئة اجتماعية ووحدة نسبية في مواجهة الخطر. وتكشف هذه القراءة أن مواجهة الأخطار الخارجية تبدأ دائمًا من إصلاح الداخل، وأن الأمة التي تستعيد رسالتها ووحدتها وثقتها قادرة على تجاوز الهزائم الكبرى. ولهذا لا يقدم ابن كثير التاريخ بوصفه ذاكرة للانكسار، بل بوصفه سجلًا للقدرة على النهوض بعد المحن. 🔵 القيمة الفكرية للكتاب تكمن القيمة الاستثنائية لكتاب «البداية والنهاية» في أنه تجاوز حدود الموسوعة التاريخية إلى بناء رؤية حضارية متكاملة لحركة الإنسان والأمم والدول. فقد جمع ابن كثير بين سعة المادة التاريخية، ودقة الرواية، وعمق التحليل، وربط الأحداث بسياقاتها العقدية والسياسية والاجتماعية، ليجعل من التاريخ وسيلة لفهم قوانين العمران لا مجرد حفظ الوقائع. كما يتميز الكتاب بامتداده الزمني الفريد؛ إذ يبدأ بقصة الخلق والأنبياء، ثم يتابع تاريخ الأمم والدولة الإسلامية حتى عصر المؤلف، مما أتاح بناء رؤية كلية لمسيرة الحضارة الإسلامية والإنسانية. وقد أسهم هذا الاتساع في إبراز العلاقات بين الأفكار والسلطة والمجتمع، وبين الأخلاق والقوة، وبين الرسالة ومصير الدول. ومن أهم إسهامات ابن كثير أنه حوّل التاريخ إلى مدرسة للوعي؛ فلا يخرج القارئ بمعرفة الوقائع وحدها، بل بفهم أسباب النصر والهزيمة، والتمكين والانهيار، ووحدة الأمم وتفككها. ولهذا ظل الكتاب حاضرًا في تشكيل الوعي الإسلامي، ومصدرًا رئيسيًا للمؤرخين والباحثين عبر القرون. 🔵 أثر الكتاب في الفكر الإسلامي لم يقتصر أثر «البداية والنهاية» على عصر مؤلفه، بل أصبح أحد أهم المراجع التي شكلت الوعي التاريخي الإسلامي. فقد اعتمد عليه المؤرخون والمفسرون وكتّاب السير والتراجم، واستفادت منه أجيال متعاقبة في فهم تاريخ الأنبياء والدولة الإسلامية وتطور الحضارة الإسلامية. كما تجاوز تأثيره الأوساط العلمية إلى الثقافة العامة، حيث انتقلت كثير من الروايات والتصورات التاريخية إلى الذاكرة الجماعية للمسلمين عبر ما دوّنه ابن كثير. وما يزال الكتاب حتى اليوم حاضرًا في الدراسات الجامعية والبحوث الأكاديمية، ليس فقط بوصفه مصدرًا للمعلومات، بل باعتباره نموذجًا لفهم العلاقة بين الدين والتاريخ والسياسة والحضارة. وتعود حيوية الكتاب إلى قابليته لقراءات متعددة؛ فهو يُقرأ كتابًا في التاريخ، وكتابًا في السنن الإلهية، وكتابًا في بناء الدولة، وكتابًا في فلسفة الحضارة الإسلامية، وهو ما يفسر استمرار حضوره العلمي بعد أكثر من ستة قرون. 🔵 القراءة النقدية وعلى الرغم من مكانة الكتاب العلمية، فإن قراءته تقتضي التعامل معه بوصفه جهدًا بشريًا عظيمًا، يستحق الدراسة والنقد والتقويم. وتتمثل أبرز نقاط قوته في موسوعيته، وسعة أفقه، وربطه الوقائع بالقوانين الحضارية، واعتماده منهجًا نقديًا متأثرًا بعلم الحديث في تمحيص كثير من الروايات. وفي المقابل، فإن بعض الأخبار التاريخية التي أوردها تعكس طبيعة المصادر المتاحة في عصره، كما يظهر أحيانًا أثر خلفيته العقدية في تفسير بعض الشخصيات أو الوقائع، وهو أمر مألوف في المؤلفات التاريخية الكبرى. ولا ينتقص ذلك من قيمة الكتاب، بل يدعو إلى قراءته قراءة علمية مقارنة، تستفيد من مناهج النقد التاريخي الحديثة، وتميز بين الرواية والتفسير، وبين الحدث ذاته وزاوية النظر إليه، بما يسمح بالإفادة القصوى من هذا التراث الثري. 🔵 القراءة الاستراتيجية المعاصرة تكمن أهمية «البداية والنهاية» اليوم في أنه يساعد على فهم الحاضر بقدر ما يفسر الماضي. فالسنن التي عرضها ابن كثير ما تزال فاعلة في حياة الأمم؛ فالعدل والظلم، والوحدة والانقسام، والإصلاح والفساد، والقيادة والعجز، كلها عوامل ما تزال تحدد مصائر الدول في العصر الحديث. ويبرز الكتاب أن الهزائم الكبرى تبدأ غالبًا من الداخل، حين تتراجع العدالة، وتتسع الانقسامات، وتفقد الأمة مشروعها الجامع. كما يؤكد أن القوة العسكرية لا تحقق الأمن ما لم تسندها شرعية داخلية، ووحدة مجتمعية، وقيادة تمتلك رؤية للمستقبل. ولهذا فإن قراءة «البداية والنهاية» بمنهج استراتيجي تتيح استخلاص قوانين عامة في إدارة الدولة، وبناء القوة، ومواجهة الأزمات، وتحويل الخبرة التاريخية إلى مصدر للتخطيط واستشراف المستقبل، بدل الاكتفاء بالتعامل مع التاريخ بوصفه ذاكرة للأمجاد أو سجلًا للهزائم. 🔵 الإشكالات المعاصرة في ضوء الكتاب تكشف قراءة الكتاب أن كثيرًا من أزمات العالم الإسلامي اليوم ليست بعيدة عن الإشكالات التي عرضها ابن كثير قبل قرون. فأزمات الهوية، والانقسام السياسي، وضعف الشرعية، والتدخلات الخارجية، وصراع النخب، كلها قضايا تتكرر بصور مختلفة عبر التاريخ. كما يبرز الكتاب أهمية الذاكرة التاريخية في حماية الهوية؛ فالأمم التي تنقطع عن تاريخها تفقد قدرتها على فهم حاضرها وبناء مستقبلها. ويؤكد كذلك أن التدخلات الخارجية لا تنجح إلا حين تجد بيئة داخلية منقسمة وضعيفة، وأن قوة الدولة تبدأ من قوة مجتمعها وتماسكه. ومن القضايا التي يثيرها أيضًا العلاقة بين الدين والسياسة، ودور العلماء والنخب في أوقات الأزمات، ومسؤولية القيادات في توجيه الأمة نحو الوحدة والإصلاح، وهي أسئلة ما تزال مطروحة بقوة في الواقع الإسلامي المعاصر. 🔵 نحو قراءة معاصرة لـ«البداية والنهاية» إن التعامل مع «البداية والنهاية» بوصفه سجلًا للأحداث فقط يحرم القارئ من أعظم ما فيه. فالكتاب يحتاج إلى قراءة تستخرج السنن الحضارية، وتربط الخبرة التاريخية بالتحولات الجارية، وتحول الوقائع إلى أدوات لفهم المستقبل. وتبدأ هذه القراءة بالانتقال من متابعة الأشخاص إلى دراسة المؤسسات، ومن حفظ الوقائع إلى تحليل الاتجاهات، ومن تمجيد الماضي إلى استثمار خبراته في بناء الحاضر. فالتاريخ ليس للتغني بالأمجاد، ولا للبكاء على الهزائم، وإنما لاكتساب الحكمة وتجنب تكرار الأخطاء. ولهذا ينبغي أن يصبح «البداية والنهاية» جزءًا من مشروع لإعادة بناء الوعي التاريخي العربي والإسلامي، وربط دراسة التاريخ بصناعة القرار، واستشراف التحولات الدولية، وإعداد القيادات القادرة على الجمع بين المعرفة التاريخية والرؤية الاستراتيجية. 🔵 الخلاصات العامة يُعد «البداية والنهاية» واحدًا من أعظم المشاريع التاريخية في الحضارة الإسلامية، لأنه لم يقتصر على تدوين الماضي، بل قدّم تفسيرًا لحركة الأمم والدول في ضوء السنن الإلهية وقوانين العمران. وقد نجح ابن كثير في تحويل التاريخ إلى أداة لبناء الوعي الحضاري، وربط بين العقيدة والسياسة، والأخلاق والقوة، والوحدة والاستقرار، والعدل وبقاء الدول. ويكشف الكتاب أن الحضارات لا تصنعها الموارد وحدها، وإنما تصنعها الرسالة، والقيادة، والعدل، ووحدة المجتمع، وأن أسباب السقوط تبدأ من الداخل قبل أن تظهر آثارها في الخارج. ولهذا يظل «البداية والنهاية» مرجعًا حيًا لفهم الماضي، وكتابًا يساعد على قراءة الحاضر، واستشراف المستقبل، واكتشاف السنن التي تحكم صعود الأمم وسقوطها. 🔵 توصيات مركز حريات إعادة قراءة كتب التاريخ الإسلامي الكبرى بوصفها مصادر لفهم السنن الحضارية والاستراتيجية، لا مجرد سجلات للأحداث. الانتقال من القراءة الوصفية إلى القراءة التحليلية التي تبحث عن أسباب القوة والضعف في التجارب التاريخية. ربط دراسة التاريخ بالعلوم السياسية والاستراتيجية واستشراف المستقبل. دعم الدراسات المقارنة بين الخبرة التاريخية الإسلامية والتحولات الدولية المعاصرة. ترسيخ الوعي بخطورة الانقسام الداخلي بوصفه المدخل الرئيس لتراجع الدول. توسيع البحث في العلاقة بين الهوية التاريخية والأمن الحضاري وبناء الدولة. إنشاء مراكز متخصصة في دراسة السنن الحضارية والتاريخ المقارن. إعادة تحقيق المصادر التاريخية الإسلامية وترجمتها وتقديمها بأساليب علمية حديثة. تطوير مناهج التعليم لتنتقل من حفظ الوقائع إلى تحليل الاتجاهات التاريخية. إعداد جيل من الباحثين يجمع بين أدوات المؤرخ وعقلية المحلل الاستراتيجي. الإفادة من التجارب التاريخية في بناء سياسات معاصرة لإدارة الدولة والتنوع والأزمات. دعم مشاريع التوثيق الرقمي للتراث التاريخي الإسلامي وإتاحته للباحثين. تنشيط الدراسات التي تربط الجغرافيا السياسية بالتاريخ الإسلامي. الاهتمام بالتاريخ الاقتصادي والمؤسسي والعلمي للحضارة الإسلامية. توظيف التاريخ في بناء الثقة الحضارية وإحياء روح المبادرة لدى الأمة. توسيع التعاون بين الجامعات ومراكز الدراسات ومؤسسات صناعة القرار في إنتاج المعرفة التاريخية الاستراتيجية. تحويل الخبرة التاريخية إلى سيناريوهات تساعد على استشراف المخاطر والفرص المستقبلية. ترسيخ ثقافة التخطيط بعيد المدى وربط قراءة الماضي بصناعة المستقبل. بناء مشروع معرفي عربي وإسلامي يعيد وصل التاريخ بالاستراتيجية والنهضة. جعل التاريخ رافدًا دائمًا لإعداد القيادات وصياغة السياسات العامة وتعزيز قدرة الأمة على التعامل مع النظام الدولي المتغير بوعي وثقة وفاعلية.
- Aug 25, 2026
🟦🟦 ضمن فعاليات #مؤتمر_مركز_حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية حول «مستقبل المشروع الصhيونy في المنطقة»، شارك الدكتور أسامة رشدي، السياسي والباحث المصري وعضو المجلس القومي لحقوق الانسان السابق، بكلمة تناولت التحولات التي أحدثها طwفاn الأقصى في المنطقة، وما كشفه من تغيرات في طبيعة الصراع ومستقبل المشروع الصhيونy. كما تناول مسؤولية القوى السياسية في قراءة هذه التحولات، وتطوير خطابها ورؤيتها وأدوات عملها، والانتقال من ردود الأفعال إلى بناء استراتيجيات طويلة المدى، تدعم صمود الشعب الفلسطيني، وتواجه مشاريع الهيمنة والتفكيك، وتسهم في توحيد طاقات الأمة وبناء مشروع سياسي وحضاري قادر على التعامل مع التحولات الإقليمية والدولية وصناعة مستقبل أكثر استقلالًا وفاعلية.
- Aug 28, 2026
🟦 "المشروع السياسي للصعود الإسلامي في القرن الجديد" ♦️مقالي المنشور اليوم لا يبدأ الصعود الإسلامي المنتظر من فراغ، ولا يحتاج إلى استعادة الماضي كما هو، ولا إلى إعادة إنتاج التنظيمات والأفكار والصراعات التي استهلكت جانبا كبيرا من القرن العشرين. فالعالم الإسلامي يدخل القرن الحادي والعشرين محملا بخبرة سياسية وفكرية وتنظيمية واجتماعية هائلة، دفعت ثمنها أجيال متعاقبة من السجون والمواجهات والثورات والانقلابات والتجارب الحكومية والمراجعات والانكسارات، كما راكم خلالها مؤسسات وكوادر وأفكارا وشبكات اجتماعية وتجارب في الحكم والمعارضة والمقاومة والعمل المدني. والمشكلة الحقيقية لم تعد في غياب الخبرة، وإنما في أن هذه الخبرة بقيت مبعثرة بين دول وحركات ومدارس وأجيال، ولم تتحول بعد إلى رأس مال استراتيجي مشترك يمكن أن يؤسس للصعود القادم. ولعل أول ما يحتاج إليه المشروع الجديد هو تحرير مفهوم الصعود نفسه من اختزاله في وصول حركة إسلامية إلى السلطة. فالصعود الذي تحتاجه الأمة أوسع من الحزب والتنظيم والحكومة. إنه صعود في الحرية والعدل والعلم والإنتاج والاستقلال والقدرة على صناعة القرار، وصعود في مكانة الإنسان المسلم داخل دولته، وفي قدرة المجتمعات على مراقبة السلطة وتداولها، وفي قدرة الدول الإسلامية على حماية مصالحها وبناء اقتصادها والمشاركة في تشكيل النظام الدولي. وبذلك يصبح الهدف صعود أمة لا صعود جماعة، ونهضة مجتمعات لا انتصار تنظيم. لقد قدم القرن الماضي رصيدا لا يجوز التفريط فيه. فقد أسهمت الحركات الإسلامية في إعادة الدين إلى المجال العام بعد مراحل من التهميش، وبنت شبكات واسعة للتربية والتعليم والخدمة الاجتماعية، وأنتجت أجيالا من العلماء والدعاة والمهنيين والسياسيين والناشطين، وربطت قطاعات واسعة من المجتمعات بقضايا فلسطين والاستقلال والهوية والعدالة. كما قدمت تجارب كبيرة في العمل الطلابي والنقابي والخيري والسياسي. وهذه كلها ثروة ينبغي حفظها لا إهدارها لمجرد أن بعض الحركات أخفق في الحكم أو عجز عن إدارة لحظة سياسية فارقة. لكن استثمار هذا الرصيد يقتضي بالقدر نفسه الاعتراف بأخطائه. فقد كشفت التجارب عن أزمات في المركزية التنظيمية، وتضخم مفهوم الطاعة، وضعف تداول القيادة، والخلط بين الدعوة والسياسة، وقصور فهم الدولة الحديثة، وضعف المعرفة بالاقتصاد والعلاقات الدولية، والعجز أحيانا عن بناء التحالفات الواسعة وإدارة التنوع. كما كشفت تجربة الحكم في أكثر من بلد أن النجاح في المعارضة أو العمل الاجتماعي لا يعني تلقائيا القدرة على إدارة دولة معقدة. ومن هنا فإن المشروع الجديد لا ينبغي أن يرث التنظيمات كما هي، بل أن يرث خبرتها بعد نقدها وتنقيتها. ولعل أهم التحولات المطلوبة هو الانتقال من سؤال الهوية إلى سؤال الدولة. فقد استهلك القرن الماضي وقتا طويلا في إثبات أن للإسلام رؤية في الحكم والمجتمع، أما القرن الجديد فيحتاج إلى إثبات القدرة على بناء دولة ناجحة بالفعل، دولة تحترم الهوية والدستور والقانون، وتحمي التعددية، وتضمن التداول السلمي للسلطة، وتحقق استقلال القضاء، وتمنع احتكار الحكم، وتكافح الفساد، وتدير الاقتصاد بكفاءة، وتحفظ كرامة المواطن. فالمشكلة لم تعد في رفع الشعار، بل في تحويل القيم إلى مؤسسات وسياسات قابلة للقياس والمحاسبة. كما ينبغي أن ينتهي زمن التنظيم الشامل الذي يريد أن يكون في الوقت نفسه جماعة دعوية ومدرسة تربوية وحزبا سياسيا وجمعية خيرية ومؤسسة اقتصادية وإعلامية. فقد أثبتت الخبرة أن جمع هذه الوظائف في بناء واحد يضعف التخصص ويزيد المركزية ويجعل أخطاء السياسة تمتد إلى الدعوة، وأزمات التنظيم تنتقل إلى المجتمع. والمستقبل أقرب إلى مجال إسلامي تعددي تتوزع داخله الوظائف بين مؤسسات مستقلة ومتخصصة تتعاون ولا تبتلع إحداها الأخرى. ويحتاج الصعود أيضا إلى إعادة صياغة العلاقة بين الأمة والدولة الوطنية. فالأمة ليست بديلا عن الدولة، والدولة القطرية ليست نهاية التاريخ. والمشروع الواقعي هو بناء دول قوية مستقرة ذات شرعية شعبية، ثم دفعها نحو درجات متزايدة من التكامل في الاقتصاد والطاقة والتعليم والصناعة والتكنولوجيا والدفاع والتجارة. فبدلا من انتظار وحدة سياسية شاملة قد لا تأتي قريبا، يمكن بناء سوق أوسع وشبكات إنتاج ومراكز بحث ومشروعات استراتيجية تجعل العالم الإسلامي أكثر اعتمادا على نفسه وأكثر قدرة على التفاوض مع القوى الكبرى. وإذا كان القرن الماضي قد جعل السياسة والتنظيم في قلب المشروع الإسلامي، فإن القرن الجديد ينبغي أن يضع العلم والاقتصاد والتكنولوجيا في المكان نفسه. فموازين القوة المقبلة لن تحسمها الخطب ولا كثرة الأتباع، بل الذكاء الاصطناعي والصناعة والدواء والطاقة والأمن الغذائي والرقائق والفضاء والجامعات والبحث العلمي. ولا يمكن لأمة أن تصعد وهي تستورد غذاءها وسلاحها وتقنيتها وتكتفي بتصدير المواد الخام أو الأيدي العاملة. ولذلك فإن المشروع السياسي الجديد يحتاج إلى تحالف واسع بين الدولة والجامعة ورأس المال والمجتمع المدني والخبرات الإسلامية المنتشرة في العالم. كما ينبغي تحويل ملايين الكوادر التي أنتجتها الحركات والتجارب الإسلامية خلال قرن إلى قوة عامة تتجاوز الحدود التنظيمية. فالعالم والاقتصادي والمهندس والطبيب والخبير والإداري لا ينبغي أن يبقى محصورا داخل جماعته أو حزبه. المطلوب شبكات خبراء عابرة للتنظيمات والدول، ومراكز لتجميع الخبرة، وأرشيف للمراجعات، وأكاديميات لصناعة القادة، وقواعد معرفة تحفظ أسباب النجاح والفشل حتى لا يكرر كل جيل أخطاء الجيل السابق. وفي القلب من ذلك كله تأتي المراجعة. فالأمة التي تخاف من نقد تجربتها محكوم عليها بتكرارها. المطلوب الاعتراف بأن بعض القرارات كان خاطئا، وبعض التجارب فشلت، وبعض القيادات لم تكن مؤهلة، وبعض التنظيمات تحولت من وسيلة إلى غاية. لكن الاعتراف بذلك لا يعني جلد التاريخ ولا إهدار التضحيات، بل تحويلها إلى معرفة. فالخطأ الذي نفهمه يصبح رصيدا، أما الخطأ الذي نقدسه فيصبح عبئا على المستقبل. ويبقى التحول الأهم أن المشروع السياسي للصعود الإسلامي لا ينبغي أن يكون ملكا للحركات الإسلامية وحدها. إنه مشروع أوسع تشترك فيه الشعوب والدول والعلماء والمثقفون ورجال الأعمال والشباب والنساء والجامعات ومراكز الأبحاث والقوى الوطنية المختلفة. فالإسلاميون جزء من الأمة وليسوا الأمة كلها، والحركات رافد من روافد النهوض وليست وريثا وحيدا له. لقد كان القرن الماضي إلى حد كبير قرن البحث عن طريق العودة بعد الاستعمار والتفكك والاستبداد. أما القرن الجديد فينبغي أن يكون قرن تحويل ما تعلمته الأمة خلال تلك الرحلة إلى قدرة على البناء. فالصعود لا يحتاج إلى أن نبدأ مرة أخرى من البداية، بل إلى أن نحسن استثمار ما دفعنا ثمنه بالفعل. والسؤال لم يعد هل يمتلك العالم الإسلامي عناصر الصعود، بل هل يستطيع أن يجمع خبرة قرن كامل داخل مشروع سياسي جديد يحرر الإنسان، ويبني الدولة، ويوحد المصالح، ويصنع القوة، وينقل الأمة من رد الفعل إلى المشاركة في صناعة المستقبل؟ https://t.co/vN6oKJmqQE https://t.co/vN6oKJmqQE
- Aug 24, 2026
🟠 كيف تصبح حماية العدو سياسة دولة؟! (٤١) كنت أتابع من داخل الزنزانة ما يجري خارجها، فأشعر أحيانًا أن السجن، على قسوته، يمنح صاحبه مسافة يرى منها ما قد لا يراه المنغمسون في صخب الأحداث. فالأخبار كانت تصل إلينا متقطعة، لكن دلالاتها كانت أشد وضوحًا؛ لأننا كنا نقرأها بعيدًا عن التبريرات الرسمية، ونضع كل خطوة في سياق ما سبقها وما يمكن أن يترتب عليها. عندما أُفرج عن الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام في ديسمبر 2004، جاء ذلك في سياق أزمة أدارها شارون على نحو بدا وكأنه يمهد منذ البداية لتنفيذ وعده باستعادته. فقد سبقت الإفراج واقعة احتجاز عدد من الطلبة المصريين على الحدود، إلى جانب مقتل مصريين بنيران إسرائيلية، ثم أُدخل ملف عزام ضمن ترتيبات الإفراج والتبادل. وبدا لي يومها أن إسرائيل نجحت في تحويل رجل أدانه القضاء المصري بالتجسس لمصلحتها إلى ورقة ضغط سياسية، وظفتها بفاعلية حتى فتحت له أبواب السجن وأعادته إلى إسرائيل. وفي الوقت نفسه، كنت قد حصلت منذ أكتوبر 2001 على أحكام قضائية متتالية توجب الإفراج عني، ومع ذلك بقي باب السجن مغلقًا في وجهي. ولهذا أثار الخبر في نفسي غضبًا شديدًا، لا بسبب الإفراج عن شخص بعينه، وإنما لما كشفه من مفارقة صارخة في ميزان القوة داخل الدولة: أحكام القضاء المصري لم تكن كافية لإطلاق سراح مواطن مصري، بينما استطاع الضغط الإسرائيلي أن يفتح الباب أمام رجل أدانته المحاكم المصرية بالتجسس. كانت الرسالة بالنسبة إليّ أعمق من صفقة تبادل محدودة. فقد رأيت فيها مؤشرًا على أن إرادة الخارج تستطيع، في لحظات معينة، أن تكون أكثر فاعلية من إرادة القضاء في الداخل، وأن العلاقة مع إسرائيل بلغت من الأهمية لدى السلطة حدًا يجعلها قادرة على تجاوز اعتبارات كان ينبغي أن تكون في صميم السيادة والعدالة والكرامة الوطنية. فالمتهم بالتجسس وجد دولة تقف وراءه، تفاوض من أجله وتستخدم أوراقها حتى تستعيده، بينما ظل المعارض المصري، رغم أحكام الإفراج الصادرة لمصلحته، خاضعًا لإرادة الأجهزة التي بدت يومها أقوى من قوة القانون. ومن هنا لم أعد أرى الواقعة مجرد استجابة ظرفية لضغط إسرائيلي، بل جزءًا من تحول أوسع في ترتيب الأولويات الاستراتيجية للدولة المصرية بعد كامب ديفيد. فقد أخذ أمن إسرائيل واستقرار ترتيبات العلاقة معها يحتلان مساحة متزايدة في حسابات النظام، حتى أصبح الفاصل أقل وضوحًا بين مقتضيات الأمن المصري ومقتضيات الحفاظ على البيئة الإقليمية التي نشأت حول معاهدة السلام. وكانت واقعة عزام عزام بالنسبة إليّ واحدة من أكثر اللحظات التي كشفت هذا التحول بوضوح: دولة شديدة الصرامة مع معارضيها في الداخل، لكنها أكثر استعدادًا للمرونة حين يتحرك عليها ضغط إسرائيلي مدعوم بميزان قوة دولي أوسع. ثم جاءت اتفاقية «الكويز» لتضيف بُعدًا آخر إلى هذا المسار، إذ لم تعد العلاقة محصورة في اتفاق سلام أو ترتيبات أمنية وحدودية، وإنما بدأت تمتد إلى بنية الاقتصاد نفسه، من خلال ربط قطاعات من الصناعة والتصدير المصري بمكونات إسرائيلية. وهكذا لم يعد السؤال متعلقًا فقط بحدود العلاقة السياسية مع إسرائيل، بل بمدى ما أصبح لهذه العلاقة من حضور متزايد داخل شبكة المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المصرية. وبعدها جاءت صفقات تصدير الغاز إلى إسرائيل، بما حملته من دلالات اقتصادية وسياسية مؤلمة؛ إذ تحولت موارد مصر إلى أداة لتغذية اقتصاد الاحتلال، في وقت كان المصريون يعانون فيه من أزمات الطاقة والفقر وتراجع الخدمات. وتتابعت الترتيبات الأمنية على الحدود، والتفاهمات المعلنة والخفية، حتى بدا أن دور النظام لم يعد يقتصر على منع الحرب مع إسرائيل، وإنما تجاوز ذلك إلى حماية استقرارها، وضبط الحدود لمصلحتها، ومحاصرة كل ما يمكن أن يربك أمنها. وهكذا تحولت معادلة السلام من وسيلة لحماية مصر من الحرب إلى سياسة تجعل مصر مسؤولة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عن حماية الاحتلال من مقاومة الشعب الذي يحتله. كنت أرى هذه التحولات من خلف القضبان، لكن المفارقة الأكثر إيلامًا لم تكن في الأخبار التي نتابعها باهتمام، بل في الوجوه التي كنا نراها داخل المعتقل. ففي أحد العنابر المجاورة كان هناك عدد من المعتقلين الإسلاميين الذين ارتبطت قضيتهم بما عُرف إعلاميًا باسم «تنظيم الوعد». وقد صدرت ضدهم أحكام عسكرية قاسية، وكان من بين الاتهامات الموجهة إليهم تقديم الدعم للانتفاضة الفلسطينية أو محاولة مساندة المقاومة! لم يكونوا جنودًا في جيش احتل أرضًا، ولا جواسيس يعملون لصالح عدو، بل شبابًا رأوا شعبًا عربيًا مسلمًا يُقتل وتُهدم بيوته، فأرادوا أن يقدموا له ما يستطيعون. كانت المفارقة صارخة إلى حد يصعب احتماله؛ جاسوس إسرائيلي تفتح له الأبواب ويغادر إلى بلاده، بينما يُغلق الباب لسنوات على شباب اتُّهموا بمساندة فلسطين. الاحتلال يُكافأ بالتعاون، والتضامن مع ضحاياه يتحول إلى جريمة. من يعمل لخدمة إسرائيل يجد دولة تقف وراءه وتفاوض من أجله، ومن يحاول الوقوف إلى جانب الفلسطينيين يجد نفسه أمام محكمة عسكرية ثم داخل زنزانة مصرية. لكن المشهد الذي ظل محفورًا في ذاكرتي، بما يحمله من مرارة ومفارقة، كان لذلك الشباب الذي جاء من داغستان، من أقصى أطراف العالم الإسلامي، يحمل في قلبه همَّ فلسطين، ويظن أن المسافة الطويلة التي قطعها إلى مصر تقرّبه من أرض الجرح ومن واجب النصرة. لم يأت طالبًا منفعة لنفسه، ولا باحثًا عن موقع أو مكسب، وإنما تحرك بدافع ما استقر في وجدانه من إحساس بأن فلسطين ليست قضية أهلها وحدهم، بل جرح يمتد صداه إلى كل من يشعر بالانتماء إلى هذه الأمة. لكن الطريق انتهى به إلى مشهد لم يكن ليخطر لهم على بال؛ فلم يجدوا أنفسهم أسرى في سجون الاحتلال الذي جاءوا يحملوا هم مقاومته، وإنما خلف قضبان سجن عربي في مصر. وكانت المفارقة يومها موجعة إلى حد يصعب تجاوزه: شباب يترك وطنه البعيد ويعبر الحدود مدفوعًا بنداء فلسطين، فتستقبله الزنزانة في بلد كان يومًا في مقدمة المواجهة مع المشروع الصهيوني. لقد اختصر وجودهم في العنبر المقابل أمامي انقلابًا كاملًا في البوصلة؛ فالمسافة بين داغستان وفلسطين لم تكن هي الأطول في تلك الحكاية، بل المسافة بين تاريخ مصر في مواجهة الاحتلال وبين اللحظة التي أصبح فيها من يتحرك لنصرة فلسطين يجد نفسه موضع الاتهام والعقاب على أرضها. ولذلك بقيت صورتهم في ذاكرتي لا بوصفها قصة سجناء غرياء فحسب، بل بوصفها سؤالًا موجعًا عن الكيفية التي يمكن أن تتبدل بها مواقع العدو والصديق حين تضطرب أولويات الدولة وتتغير معاييرها. يومها أدركت أن المسألة لم تعد مجرد اختلاف في تقدير سياسي، ولا خلافًا حول الوسائل والنتائج، وإنما أصبحت انقلابًا على تعريف العدو والصديق. صارت حماية الاحتلال تُقدَّم باعتبارها واقعية وحكمة ومسؤولية، بينما يُقدَّم دعم المقاومة باعتباره تطرفًا وتهديدًا للأمن. وأصبح الأمن القومي يُعاد تعريفه، لا باعتباره حماية الوطن والأمة من الأخطار الخارجية، بل باعتباره حماية النظام من كل من يرفض أولوياته أو يعترض على تحالفاته. كانت السجون التي يفترض أن تُستخدم لحماية البلاد من الجواسيس والمجرمين تمتلئ بالمعارضين وبمن يتعاطفون مع فلسطين، بينما تتسع مجالات التعاون مع الاحتلال. وهكذا لم تعد الزنزانة مجرد مكان لعقاب من عارض الحكم، بل أصبحت جزءًا من منظومة سياسية تعاقب من يرفض الانقلاب في البوصلة، ويتمسك بأن فلسطين قضية مركزية، وأن إسرائيل عدو احتلال لا شريك طبيعي. ثم جاءت ثورة يناير، وخرجنا إلى هدير الميدان، فرأيت كيف استعادت فلسطين مكانها تلقائيًا في وجدان المصريين. لم يحتج الشعب إلى أوامر أو تعبئة رسمية كي يرفع الأعلام الفلسطينية، أو يهتف ضد الاحتلال، أو يطالب بإنهاء التبعية. كان حضور فلسطين في الميدان دليلًا على أن ما حاول النظام دفنه داخل السجون بقي حيًا في ضمير الأمة، وأن السياسات الرسمية استطاعت أن تقيد الحركة، لكنها لم تستطع تغيير هوية الشعب ولا ذاكرته. وفي الميدان بدا واضحًا أن العلاقة مع إسرائيل لم تكن مجرد ملف خارجي، بل كانت جزءًا من أزمة الداخل. فالنظام الذي تنازل عن استقلال قراره في الخارج كان هو نفسه الذي صادر إرادة شعبه في الداخل، والذي رأى في رضا واشنطن وتل أبيب مصدرًا للبقاء أكثر من رضا المصريين. ولذلك لم يكن غريبًا أن يتقاطع مطلب الحرية مع مطلب استقلال القرار الوطني، وأن يرى الناس في إسقاط الاستبداد خطوة نحو استعادة مصر دورها وكرامتها. ثم جاءت وحشة المنفى، ومن بعيد رأيت المشهد يتكرر بصورة أكثر وضوحًا. رأيت حكومات عربية توسع علاقاتها مع إسرائيل، وتعيد تقديمها لشعوبها بوصفها شريكًا اقتصاديًا وأمنيًا، بينما تضيق على كل صوت يدعم المقاومة أو يرفض التطبيع. ورأيت كيف تحولت بعض العواصم العربية إلى محطات يعبر من خلالها النفوذ الإسرائيلي، وكيف أصبحت الأجهزة العربية في بعض الأحيان أكثر قسوة على خصوم المشروع الصهيوني من قسوتها على أدواته. لكنني رأيت أيضًا أن الشعوب لم تستسلم لهذه المعادلة، ولم تسمح للسياسات الرسمية بأن تعيد تشكيل وجدانها على الصورة التي أرادتها. فقد ظلت فلسطين حاضرة بقوة في الوعي العربي والإسلامي، عصية على النسيان والتطبيع الكامل، حتى جاءت معركة طوفان الأقصى لتكشف بوضوح عمق الهوة بين حسابات كثير من الحكومات وضمائر شعوبها. ولم يقتصر هذا الانكشاف على العالم العربي والإسلامي؛ فقد خرجت الجماهير في عواصم كثيرة حول العالم لتعلن أن القضية الفلسطينية لم تُدفن، وأن الاحتلال لم يتحول، مهما طال الزمن، إلى واقع أخلاقي مقبول أو أمر طبيعي يمكن التعايش معه بلا سؤال. وهكذا أعاد الدم الفلسطيني فلسطين إلى قلب الضمير الإنساني، وكشف من جديد حقيقة الصراع، وأعاد رسم الحدود بين من يقف مع حق الإنسان في الحرية والكرامة، ومن يمنح القوة الغاشمة غطاءً للاستمرار في القتل والاحتلال. وبين قيد الزنزانة وهدير الميدان ووحشة المنفى، ازددت يقينًا بأن أخطر ما يصيب الدول ليس الهزيمة العسكرية وحدها، بل اضطراب بوصلتها الأخلاقية والاستراتيجية؛ حين يصبح المحتل حليفًا، والمقاوم متهمًا، والجاسوس موضع تفاوض، وصاحب القضية موضع عقاب. إنها ليست مجرد أخطاء في السياسة الخارجية، بل تغيير في وظيفة الدولة نفسها؛ من دولة يفترض أن تحمي أمنها واستقلالها وأمتها، إلى سلطة تحمي ترتيبات الهيمنة، وتلاحق من يرفضها، وتستمد شرعيتها من الخارج بدل أن تستمدها من شعبها. ومع ذلك، فإن ما تعلمته عبر الطريق أن الحكومات قد تبدل تعريفاتها، لكن الشعوب تحتفظ ببوصلة أعمق. قد تضيق السجون بمن يدعم فلسطين، وقد تُفتح الحدود أمام التعاون مع الاحتلال، وقد تُصاغ القوانين لحماية التطبيع، لكن ذلك لا يستطيع أن يجعل الظلم عدلًا، ولا الاحتلال سلامًا، ولا الخضوع حكمة. فالعدو يبقى عدوًا ما دام يحتل الأرض ويقتل أهلها، والأخ يبقى أخًا مهما حاولت السياسة أن تفصل بيننا وبينه. ومهما طال انقلاب المعايير، فإن لحظة الحقيقة تأتي حين تستعيد الشعوب إرادتها، فتسقط الأقنعة، وتعود الأسماء إلى معانيها؛ الاحتلال احتلال، والمقاومة حق، والسيادة استقلال، وحماية وتكريم العدو ليست سياسة دولة، بل تنازل عن جوهر رسالتها وكرامتها. #تأملات_في_الطريق
- Aug 27, 2026
🛑🛑 ضمن فعاليات #مؤتمر_مركز_حريات_للدراسات_السياسية_والاستراتيجية حول «مستقبل المشروع الصhيونy في المنطقة»، شارك الباحث السياسي الفلسطيني الدكتور عمر عبد الله بكلمة تناولت تطورات القضية الفلسطينية والتحولات التي أحدثها طwفاn الأقصى في مسار الصراع ومستقبل المنطقة. وقدم قراءة في طبيعة المشروع الصhيونy وتحديات المرحلة الراهنة، وما أظهرته الحرب من تحولات في الوعي والمواقف وموازين القوى على المستويين الإقليمي والدولي. كما تناول أهمية إعادة بناء الرؤية الاستراتيجية للقضية الفلسطينية، وتعزيز حضورها باعتبارها قضية مركزية للأمة، وتطوير أدوات العمل السياسي والفكري والإعلامي، بما يدعم صمود الشعب الفلسطيني ويحافظ على حقوقه ويعزز قدرة الأمة على مواجهة مشاريع الهيمنة وإعادة تشكيل المنطقة.
- Aug 28, 2026
https://t.co/NM7Wrw9SlD
- Aug 27, 2026
🟦 من أخوف ما يهدد العبد أن يتعب في الطاعة، ثم يكتشف أن حظه منها لم يتجاوز تعب الجسد! قال رسول الله ﷺ: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ». فليست العبرة بكثرة الأعمال وحدها، بل بقبولها وحفظها من الرياء والمعاصي وآفات اللسان والقلب. فكم من عمل عظيم أفسدته نية، أو أضاع أجره لسان، أو بددته مظلمة! فتعاهدوا أعمالكم كما تتعاهدون أداءها؛ فما أشد الحسرة أن نتعب في جمع الحسنات، ثم نبددها بأيدينا. ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾.
Ranked by total interactions across everything we have tracked for this account, which is a longer history than the 30-day window the rates above use. The multiple compares each post to this account's own median.
Recurring topics
The most frequent hashtags in the sampled posts. They describe what this account writes about; they are not a performance signal, and the catalog-wide breakdown on the hub shows how little hashtag count moves.
Buy or sell X accounts - escrow-protected
PlayerSells is an escrow marketplace for X accounts. Every deal is protected, with no middleman risk.
Reading these numbers
A typical post picks up 14 interactions against 382K followers, an engagement rate of 0.004%. Posts are seen about 1.4K times each, and 0.972% of those impressions turn into an interaction. That is about 0.377% of the follower count, which is the gap between an audience on paper and an audience in a timeline. Posting runs at about 1.3 post a day over the last 30 days, though only 27% of days saw any activity at all. Most posts go out around 15:00 UTC, and Thursday is the busiest day of the week. Of the 6 posts sampled, 83% carry an image or video and 17% link out. The account's strongest tracked post pulled 40 interactions, about 2.9x its own typical post. Recurring topics include #مؤتمر_مركز_حريات, #مؤتمر_مركز_حريات_للدراسات_السياسية_والاستراتيجية, #في_الذاكرة. Only 6 original posts have been captured so far, fewer than the 8 posts we want behind a median before treating it as settled. Read the figures above as an early measurement of this account, not as a finished profile of it.
- What is د. طارق الزمر's engagement rate on X?
- د. طارق الزمر (@drtarekelzomor) has an engagement rate of 0.004%, based on the median interactions across 6 original posts from the last 30 days against 381,582 followers. Replies, reposts and quote-posts of other people are excluded from that sample.
- Is that a good engagement rate?
- At 0.004%, د. طارق الزمر sits above the 10th percentile of the 37,582 accounts in this comparison. Those comparison accounts are all large ones, because our scanning cadence is weighted towards big accounts, so this is a ranking among peers of similar scale rather than a ranking across X.
- Does @drtarekelzomor have real engagement?
- There is not yet enough sample to rank this account against others of its size.
- When does @drtarekelzomor post?
- Most posts go out around 15:00 UTC, and Thursday is its busiest day, at roughly 1.27 posts per day across the measured window.